أحمد بن محمد ابن عربشاه
59
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
في غده وأمسه ، متميزا بالشمائل المرضية على أبناء جنسه ، واضعا الأشياء في محلها ، متفصّحا بنفسه عن جلّها وقلها ، مقيما كل أحد في مقام لا يتعداه ومنصب معلوم لا يتخطاه ، حتى تستقيم بذلك أمور المملكة ، وتصان من الوقوع في مهاوى التهلكة ، ويطمئن خاطر مخدومه ، ويركن إليه في منطوق قوله ومفهومه فيقبل قوله وفعله ويعرف فصله وفضله . وكذلك يجب أن يكون الملك كريم الأعراق ، لطيف الأخلاق ، شريف الأعلاق « 1 » ، وأن يكون في جميع أحواله متمسكا بذيل أفضاله ، مراعيا سيرة أجداده من الملوك ، سالكا طريقة الملوك من حسن السلوك ؛ لأن من لا يشيد أركان أسلافه ، ولا يقوى بنيان أشرافه ، يصيبه مثل ما أصاب الذئب مع الجدى المغنى المصيب . فسأل الملك من أخيه أن يذكر ذلك المثل وينهيه . [ 7 ] [ ما أصاب الذئب مع الجدى المغنى : ] فقال : بلغني يا مليك الأراضي أنه كان في بعض الغياض « 2 » لذئب وجار أهل وجار ، فخرج يوما لطلب الصيد ونصب لذلك شباك الكيد ، وصار يجول ويصول ولا يقع على محصول ، فأثر فيه الجوع واللغوب « 3 » ، وآذنت الشمس بالغروب ، فصادف بعض الرعيان يسوق قطيعين من الضان ، وفيهما بعض جديان ؛ فهم عليها لشدة الجوع بالهجوم ، ثم أدركه من خوف الراعي الوجوم « 4 » ؛ لأنه كان متيقظا وعلى ماشيته متحفظا ، فجعل يراقبه من بعيد والحرص والشره « 5 » يزيد ، والراعي سائق والذئب عائق ، فتخلف جدى غبي غفل عنه الراعي الذكي ، فأدركه الذئب النشيط واقتطعه بأمل بسيط ، وبشر نفسه بالظفر وطار واستبشر .
--> ( 1 ) الأنساب . ( 2 ) الغياض ، مفردها غيضة : البستان . ( 3 ) الإعياء والتعب . ( 4 ) عبس وجهه وأطرق لشدة الخوف . ( 5 ) الطمع .